فخر الدين الرازي
272
تفسير الرازي
نفعل بالمجرمين ) * أي هذا الإهلاك إنما نفعله بهم لكونهم مجرمين ، فلا جرم في جميع المجرمين ، لأن عموم العلة يقتضي عموم الحكم . ثم قال تعالى : * ( ويل يومئذ للمكذبين ) * أي هؤلاء وإن أهلكوا وعذبوا في الدنيا ، فالمصيبة العظمى والطامة الكبرى معدة لهم يوم القيامة . السؤال الثاني : المراد من الإهلاك في قوله : * ( ألم نهلك الأولين ) * هو مطلق الإماتة أو الإماتة بالعذاب ؟ فإن كان ذلك هو الأول لم يكن تخويفاً للكفار ، لأن ذلك أمر حاصل للمؤمن والكافر ، فلا يصلح تحذيراً للكافر ، وإن كان المراد هو الثاني وهو الإماتة بالعذاب ، فقوله : * ( ثم نتبعهم الآخرين * كذلك نفعل بالمجرمين ) * يقتضي أن يكون الله قد فعل بكفار قريش مثل ذلك ، ومن المعلوم أنه لم يوجد ذلك ، وأيضاً فلأنه تعالى قال : * ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) * الجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد منه الإماتة بالتعذيب ، وقد وقع ذلك في حق قريش وهو يوم بدر ؟ سلمنا ذلك ، فلم لا يجوز أن يكون المراد من الإهلاك معنى ثالثاً مغايراً للأمرين اللذين ذكروهما وهو الإماتة المستعقبة للذم واللعن ؟ فكأنه قيل : إن أولئك المتقدمين لحرصهم على الدنيا عاندوا الأنبياء وخاصموهم ، ثم ماتوا فقد فاتتهم الدنيا وبقي اللعن عليهم في الدنيا والعقوبة الأخروية دائماً سرمداً ، فهكذا يكون حال هؤلاء الكفار الموجودين ومعلوم أن مثل هذا الكلام من أعظم وجوه الزجر . * ( أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) * . اعلم أن هذا هو النوع الثالث : من تخويف الكفار ووجه التخويف فيه من وجهين : الأول : أنه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم ، وكلما كانت نعمة الله عليهم أكثر كانت جنايتهم في حقه أقبح وأفحش ، وكلما كان كذلك كان العقاب أعظم ، فلهذا قال عقيب ذكر هذا الإنعام : * ( ويل يومئذ للمكذبين ) * . الوجه الثاني : أنه تعالى ذكرهم كونه قادراً على الابتداء ، وظاهر في العقل أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة ، فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة ، لا جرم قال في حقهم : * ( ويل يومئذ للمكذبين ) * وأما التفسير فهو أن قوله : * ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) * أي من النطفة ، كقوله : * ( ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، فجعلناه في قرار مكين ) * وهو الرحم ، لأن ما يخلق منه الولد لا بد وأن يثبت في الرحم ويتمكن بخلاف مالا يخلق منه الولد ، ثم قال : * ( إلى